الاثنين، يوليو 03، 2017

على شاهين يكتب: ملخص كتاب الطاو لمؤلفه لاو – تسي

 المُترجم : علاء الديب عن الترجمة الإنجليزية عن الصينية.

حياة مؤلف الكتاب لا تختلف كثيرا عن روح النص. فكلاهما أصابهما ضباب الغموض والقابلية اللامحدودة للتفسير والتأويل بل وأحيانا عدم القدرة على الفصل في حقيقة وجودهم! والأعجب أن المذهب نفسه يُدعم هذا الإنقسام ويراه أمراً طبيعيا ! فالاخيرة تختلف عنده عن آخر ماتوصل إليه أهل عصره ـ وربما عصرنا ـ فى تعريفها. نحن امام نص نكاد نجزم أنه وحي لإشتماله على إعجاز حقيقي وتطبيق مُبهر لفكرة ( السهل الممتنع) للنصوص! الكتاب يصلح للعوام ولا يصلح ـ فى نفس الوقت ـ لهم إلا إذا ظلوا عوام وحينها فقط هم ليسوا بحاجة له! هو كتاب استطاع كاتبه أن يدرك أنه لا يستطيع سوى الانصياع لعدم استطاعته وبهذا الأمر وبتلك الطريقة ولهذا تحديدا إستطاع جميع شيعته معرفة ( الإستطاعة)! إنها الطاوية. فلسفة أقرب منها للديانة، ووضعية تأمل أقرب منها إلى شموخ رجل دين.


 الطاوية أقرب إلى ( أسلوب حياة ) منها إلى ديانة بما تشتمل على ميتافيزقيا وسدنة وغيبيات إلخ إلخ. الطاوية يُرمز إليها بالصورة التى اُطلق عليها فيما بعد بالكونج فو ! الدائرة التى تحمل فى جوفها اللونين الأبيض والأسود يفصل بينهما خط مائع وفى قلب كل لون نقطة. ففى الدمعة البيضاء ثمة نقطة سوداء والعكس كذلك فى الدمعة السوداء. ومن هذا التناقض نستطيع ان نفهم ماهي الطاوية وماهي الحياة ، ففى كل خير ثمة شر ـ ولو بنسبة صغيرة ـ وفى كل شر هائل ثمة خير ـ وإن كان واهن كالنقطة ـ ومن خلال النقاط نفهم بداية الأشكال الهندسية، وكذلك الحياة !

يدعو كذلك هذا الطاوي ـ الذى اختفى عن الوجود قبل ان يولد السيد المسيح ( ع ) ب 600 عام ـ فى صفحات كتابه القليلة الوجيزة الغامضة المقتضبة إلي العيش بالقليل لإن الحياة وجيزة ، وبما أن الطاو تعريفه غامض فهو يقتضب فى الوصف ولكنه يُسهب فى شرح ( مايجب على الإنسان كي يكون ذاته) أولا ان تعرف ذاتك ، ثانيا أن تؤدى ما عليك بما لك و (( اذا لم تفعل شئ ، فإن كل شئ سيكون على مايرام )) ! هى دعوة يُمكنك دعوتها بالسلبية ، او الأستسلام للقدر ، او معرفة نفسك كترس ثم وضع نفسك فى المكان المُخصص لك فى الآلة ! او ـ وهذا ما أميل إليه ـ الحصول على الثبات الأنفعالي ! أى لاتبكي وتجزع إن اصابتك مصيبة فستأتي بعدها أفراح ، اليوم أنت فقير ، غدا ستكون غني ، اليوم حرب غدا سلم . اليوم يومك ، غدا يوم غيرك وهكذا وهكذا. تلك الصيرورة هي الثبات الذي يقوم عليه هذا المذهب. وتثبيت الإنفعال وحفظ السعادة من لصوصية الصيرورة هو مايهدف إليه لاو ـ تسي وذلك عبر نصائح ساحرة ، وكلمات ترسم حتى على الأموات إبتسامات وهكذا هي الحكمة.
 إلا أن المُشكلة التى تواجه القارئ هي مشكلة تعريف الطاو الذى يظل تعريفه عسير حتى على المؤمنين به ومن أخلصوا له الفهم والشغف ! فالتعريف الويكيبيدي ـ الذى بالتأكيد سيرفضه لاو تسي ـ يقول ان الطاو هو الطريق او الهدي او الصراط المستقيم ! ويبدو فى الكتاب أنه القًدّر ، ويلوح فى صفحات الكتاب أنه الطريقة التى تسير بها الأشياء ، كل الأشياء بلا إستثناء التى تكون تحت السماء ! ولاو تسي لايرى فى هذا غضاضة او حيرة فاللغة مُحددة والطاو لا تحُده حدود هي قُدت منه ! فهو يقول ( الطاو الذي يُمكن ان نخبر عنه ، ليس هو الطاو الأبدي ) ويقول ( ما لا أسم له ، هو بداية السماء والأرض ) (الطاو إناء فارغ ، يُصب فيه ولا يمتلئ أبداً ) وغيرها من العبارات التى تُكشف عن أفتتان صاحبها باللغة لفرط أفتتانه بالطاو !
لكن هناك ـ فى الكتاب ـ الكثير من المقولات التى تقولها عبر أفعالك فيُقال أنك حقا قد فهمتها ولهذا فهي ليس مقولات وإنما هي فى حياتك ناقِلات! مثل : إصنع من الطين إناء ، الفراغ بداخله هو مايجعله نافعاً. أفتح للغرفة أبوباً وشبابيك ، الفتحات هى ماتجعله نافعة. تأتي المكاسب إذا من الوجود ، أما النفع فمن اللاوجود. (انصح الحاكم بالا يستخدم القوة لفتح الكون ، فهذا لن يخلف إلا المقاومة) ( إن تنظيم الحرب هو نفس تنظيم الجنازة ، لذا علينا أن ننظر إلى الأنتصار على أنه جنازة) (إنحنِ ، تستقم. أفرغ نفسك ، تجددها. ارض بالقليل ، تصبح غنياً. إمتلك الكثير ، ترتبك. الحكماء لا يستعرضون قدراتهم ، لذلك تشّع منهم القوة. لايبررون أنفسهم ، لذلك فهم متميزون. كُنّ كُلاّ واحداً غير موزع ، تأتِ لك الأشياء جميعاً ) ( من يقف على أطراف أصابعه ، لايمكن أن يكون ثابتاً) هناك الكثير من تلك الكلمات المقتضبة الحروف المُسهبة فى شرحها والمُستفيضة فى تأويلها وهذا فى حد ذاته تأكيد لمبدأ الطاو ( الكلمات الكثيرة تعني قليلاً ، تمسك أنت بالمركز).
 كُل مافى الكتاب أسلوب يُناقض بعضه بعضا ولكنه يُكمّل معناه بأفضل وضوح ! وعبر دياجير اللغة المُستترة يُفصح لاو تسي عن مُراده لكن ليس هناك الكثيرون ممن يملكون ( جي بي اس) ! أدرك لاو تسي أن أفضل عسل يأتي من أفضل نحل ، وأفضل نحل تحلى بقسى بالإبر أكثر مما تحلى بالعسل. ولهذا علينا تحمُل وخزات لغة لاو تسي كي نجني رحيق حكمته وهذا الثمن يبدو عاديا وعادلا فى نظر لاو تسي ، لإن الأشياء تُعرف بأضدادها ولإن الثمن قد حددته الطبيعة ، فسواء رغبت أم رفضت بعناد فستدفع وإلا ستُدفع ! إن السبيل الحقيقي للعيش وفق بصيرة لاو تسي ان ترضا بما أنت عليه وترضا بإكتشاف ما ستكون عليه وترضا ـ حتى ـ بزوال الرضا !
يُخاطب لاو تسي الروح وليس السلوك ـ كما يفعل كونفوشيوس ـ لإدراكه بأن كل حقائق الكون ونظامه وقوانينه تتناغم فينا فلِما نبحث خارجنا فى حين ان تحقيق التوازن والثبات الأنفعالي يُمكن إدراكه وبلوغه عبر عدم التدخل فى سير الأشياء ومجريات الحياة ! إن الطاو ـ وإن كان عسير على الفهم كتعريف ـ إلا أن إدراكه يتطلب مقدما التخلي عن المناهج الأبستمولوجية والخوض فيه لإنه لا يُمكن تحليل القصيدة وردها إلى الألفاظ المكونة منها وكما انه لايُمكن ردّ اللوحة لكمية الألوان المُستخدمة فيها ، أنه شيئا اكبر بكثير مما يُمكن تفنيده لفهمه فهو ظاهر للعيان دون ان نستطيع ان نقول ان له شكل ! الطاو ـ إلى حد ما أستطاعت تجربتي الشخصية لا تفكيري المنطقي ان تخوض فيه ـ هو أن لاتتعجب من ظاهرة بيئية او إنسانية ما لإن ما شكّلها هو بداخلك ولهذا ستعلم كيف تتصرف تجاهها دون خطوات منظومة منطقية وإنما بالأحرى ستتصرف تجاهها كتصرف بُرادة الحديد تجاه المغناطيس ! حيث الأمر طبيعي ومفهوم ولا يستثير عند الأثنين ـ والآخرين ـ أى إنفعال.

الكتاب لن يفى حقه مقال ومهما قيل وقال عنه الآخرون فهو ـ إن تمعنت النظر جيدا ـ موجود بداخله ماقيل وقال وسيُقال عنه ، لإن صاحبه غاص بعيون نسر وسجايا نهر ووداعة الوادي إلى النفس البشرية. فحزم أمره بِحزّم لغته وحسم قراره ، فحَبِسَ روحه عن حبّسِ جسده وبهذا أنفرجت روحه إلى الكون وهناك ـ كما تشير بعض كلماته ـ أكتشف الطاو ، ومن ثم فالطاو لا تُسعفه إلا أوصاف مثله ، مقتضبة ـ لإن إشعال الفضول من مهام المؤلف ـ وغير واضحة للولهة الأولى ـ لإن غموض الطبيعة إستدعى إكتشفها ـ ولكنها فى الآن ذاته تُقطر بساطة وإيقاعاً ـ وبذا يكون تعريف الطاو قابل للإيصال بما هو أهله.. هناك الكثير من الحِكم المُفيدة والتى من المفيد شراء الكتاب لإجلها ، وهناك الكثير من الإشكاليات المتعددة التى يفتحها الكاتب امامك على سبيل المثال : قدرة العقل البشري على تكثيف المعني وتعبئته فى بعض كلمات ليتولي القارئ إعداد الوجبة المُعلبة المحفوظة فمن هو الطاهي هنا؟ من الذي فُتِنَ بالآخر: اللغة وألعابها ـ مما يُثير الأعجاب والأنبهار بها ـ ام إكتشاف مايسميه الطاو ـ ما يستثير سؤال لماذا لم يُصرح بآليات اللغة عنه؟ لماذا هذا الأهمال التام لإرادة الإنسان رغم تعويل لاو تسي عليها فى تغير الأوضاع ؟ . وغيرها من الأسئلة التى يطرحها الكتاب والكاتب.
كتاب يبلغ من روعته ـ رغم وعورته ـ مايجعلك تتصفح اى صفحة فيه دون ان تشعر بملل لإنه فى كل عبارة وفصل تُعاين الطاو شخصيا ! حيث المعنى والفهم يتغير بإستمارا ، وحيث يزيد إعجابك وإنبهارك بكل صفحة فى الكتاب وسطوره التى تلتمع فيها فصوص الحكم مُشعة بما لا يصح أن تكون زاهدا فيها بحجة وجود نقطة سوداء بداخلها ! ما يجعل كتاب الطاو يحتل صدر رفوف مكتبتك لإنه حوى تناقضت تلك الرفوف وتجاوزها ولهذا يجب أن تحوي ما يحتويه. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق