الجمعة، أكتوبر 20، 2017

عبدالرحمان بردادي يكتب: سيميائية العنوان في رواية ذاكرة الجسد –لأحلام مستغانمي-


ولماذا العنوان، لماذا هو بالذات؟ إن في ذلك لبلاغا، لقوم يفقهون !. العنوان مطار الرواية، وحديقة تنسامر فيها للبداية، هاته الأيقونة المهمة جدا، التي نحن بصددها، هي استشعار لغد أجمل  أو استذكار لأمس أسوء، هي ذاكرة الجسد، وأي جسد ، لكن هل للجسد ذاكرة فعلا؟ أم أن الذاكرة لها جسد قد تشكلت فيه لتوها؟ و نحن بلا علم، هل لجسد الناص أو الكاتب   l'auteur دخل في ذلك؟ ما علاقة الذاكرة بالجسد و ما علاقتهما بالثورة و الحب و المجتمع و كل القيم les valeurs التي حملتها الرواية في تضاريسها الوعرة...
دعونا الآن من الناص الذي سنرجئه حينا من الدهر، و لنبقى حيث نحن ، في أيقونة العنوان: ذاكرة الجسد، فمن خلال ملاحظتنا لهذا العنوان، اكتشفنا أن الناص قد جمع بين مصطلحين و مفهومين و دلالتين، بعيدتين بنسبة كبيرة عن بعضيهما، و قد نمثل ذلك ابتداء بالشكل التالي :                       
                                إسم نكرة
ذاكرة
                                معنوية، موجودة في النفس، أو في العقل-مسألة فلسفية-
                                إسم معرف، بالألف و اللام
الجسد
كائن عضوي، مادي، ملموس، يرتبط بالحواس، لا يقوم بالتذكر
نلاحظ هنا وجود تعريف لتنكير، ألا و هو تعريف الجسد للذاكرة، فإذا قلنا هي "ذاكرة" لم نعرف لمن هي، حتى يخرج الجسد علينا بردها إليه، لكن هل للجسد ذاكرة، وهذا هو المستغرب  العجيب ، بل  يعتبر انزياحا، بل تعديا، بل خرقا، فعلا...إنه خرق دلالي،على  شاكلة هذا الرسم:

إسناد وظيفة الذاكرة للجسد
                    الذاكرة
جسد مرئي محسوس                                             كيان معنوي لا يدرك بالحس
نعم، الإنسان يتذكر و يذكر الآخرين، لكن هل يتذكر الجسد، هل يستطيع هذا الكيان المرئي أن يتذكر، و لوحده دون روح أو عقل أو نفس تراوده و يراودها، تعصيه ثم يتبعها، أو تلاهثه و يلاهثها !
الخرق الدلالي في المدلول             النتيجة            قدرة الجسد على امتلاك ذاكرة خاصة به.
إن أيقونة العنوان، بنية دلالية تدفع المتلقي إلى البحث في أغوار النص و محاولة استيعابه و فهمه، التي تدفعه إلى إيجاد الجسد الذي يتذكر، فهل هذا الجسد موجود فعلا؟ أم أنه جسد افتراضي، هل هو جسد البطل "خالد" الذي ما إن بدأت الرواية إلا و قد بدأ في التذكر-و أنا أميل إلى أن الذاكرة الجسدية الكبرى في الرواية هي من قسطه و من نصيبه- هذا ما يجعل لدينا نوعا من الإيحاء الذي تصوره لنا الوظيفة الإيحائية [1]la fonction connotative التي جاء بها جينيت، حيث نجد لها أكثر من موضع في هذه الدال الابتدائي.
قد يذهب البعض منا إلى أن إمكانية توفر شيء من الأيقونة العنوانية، في شخص الناص الذي تتجلى فيه سمة الأنوثة،حيث  نجد لهذه الأخيرة نصيبا وافرا في المتن الداخلي، فقد يكون اختيار العنوان هنا، خاضعا لميول نسوي féminisme[2] اقتضى ذكر الجسد، الذي دائما ما تجد العربي ساترا له، محتشما حين ذكره، فقد يتذكر الناص هنا في ثوب البطل شيئا من الحوادث التي مر بها  الجزائرقبل و بعد و أثناء استقلالها، و هو جسد[3]  أنهكه الاستعمار حتى أصاب كتفه، فكان حتما على الدهر بترها، و هو الجسد كذلك الذي أحب حتى ألقي بقلبه إلى نار لظى، فأصبح جسدا كارها باغضا...
و من منطلق أن "العنوان هو نظام دلالي رامز له بنيته السطحية، ومستواه العميق"[4]، وأن الغوص في أعماق النص، هو اقتضاء لا بد منه في فهم رمزية العنوان و دلالته، فقد كان لكلمة "ذاكرة" عدة مراحل في الرواية، نصنفها بالشكل التالي :
ذاكرة الجسد =ذاكرة  جسد خالد = ذاكرة تعذيب جسد الجزائر( حين بترت يد خالد، حين تم تزويج حياة لرجل عسكري) == إيحاء إلى مفهوم سياسي ( تزويج الجزائر لرجل عسكري موسوم بالفساد ).
ذاكرة الجسد = ذاكرة بيع جسد الجزائر ( حين بيع جسد حياة و تم تزويجها )
و هنا نجد أن الجسد الأساسي هو لخالد، أما الثانوي فهو لحياة، في حين أننا نجد جسدا فسيفسائيا[5] هو للمنطقة أو للقطعة الأرضية المضطهدة...
إن العنوان لا يزال مفتوحا، و الأرضية لا زالت هي الأخرى مرنة لتصفح وجه الغلاف، و تنقيحه و التنقيب عن مدلولاته، لكن عنوان رواية ذاكرة الجسد نعتبره في تقديرنا، عنوانا موحيا في الوهلة الأولى إلى ذاكرة جسد بغي أو ما شابه، بحكم الغريزة الإنسانية التي تميل إلى هوى الجنس و الشهوة و التطلع و الفضول إلى معرفة أسرار البيوت، و لولا الدين لبقيت كذلك...



[1]عبد الحق بلعابد، عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، ص33،ط1
[2]مذهب فكري، يدعوا إلى تحرير المرأة من كل القيود، وخاصة من الرجل.
[3]أقصد جسد خالد، لأن الرواية في حد ذاتها، تحمل نوعا من التعدد و اشتراك البطل، و البطلة و القطعة الأرضية في جسد واحد، و في مصير واحد.
[4]بسام موسى قطوس، سيمياء العنوان،ص50،ط2
[5]الجسد الفسيفسائي، الذي ذكرته، أعتقد تمام الاعتقاد أنه نصفان، الأول للجزائر و الثاني للناص أحلام مستغانمي، هو الجانب المظلم فيها...