الأحد، يوليو 22، 2012

من يومياتي في ألمانيا ( برلين 3)


حشيش؟!! لا أدري بأي صيغة أو نبرة خرجت مني تلك الكلمة ولكن بلا أدنى شك فلم تخل من كونها استفهامية، أو ستنكارية، أو استخبارية ،أو ربما كانت بهم مجتمعين. أجابني: بنعم ،هو حشيش! قلت له أعلم أنه ممنوع هنا في ألمانيا ومن يدخنه يعاقب أليس كذلك؟ قال نعم، ولكنه القانون الغبي ! قلت غبي ؟! قال نعم، ثم أراد أن يكمل حديثه فقاطعته بسؤالي : ولكن كيف لك أن تدخن هذا الحشيش وهو أخضر ؟ فابتسم الرجل ابتسامة أعرض من تلك التي جائني بها وهو يحمل الحشيش ثم قال: إن خمس دقائق في البوتاجاز كفيلة أن تجعله هشيما يا صديقي . قلت له والله!!  إذا فدخن على بركة الله !


انتابني شعور بالقلق ممزوج بتعب سفر يوم كامل، وحيرة في اتخاذ أي قرار قد يؤدي إلى عودتي للشارع..... مضطر ، مجبر، لا بديل، لا حل ،أمري إلى الله، كلمات قلتها في نفسي ، ثم استأذنته لأدخل الحمام كي أتوضأ وأصلي .


في الحمام وقفت أمام المرآة الصغيرة أنظر لنفسي معاتبا إياها " إيه اللي أنا عملته في نفسي ده؟ إفرض الراجل دا يعني !! ولا يعني !!! ولا يعني!! استرها يارب . توضأت ثم خرجت فسألته عن جهة القبلة، فقال: أي قبلة؟ وهنا انتبهت فورا " إيه السؤال الغبي دا ؟ يعني الرجل بيحشش ومش مسلم وعايش في ألمانيا وأسأله عن القبلة؟؟!"


قلت له عفوا فأين يقع الشمال وأين يكون الجنوب؟ نهض الرجل واقفا ثم بدأ يفكر بصوت مرتفع .. من هنا تخرج الشمس ومن هنا تغرب، إذا من هنا الشروق ومن هنا الغروب وهذا هو الشمال وهذا هو الجنوب. قلت له: تمام، كدا زي الفل، ثم وجهت وجهي شطر الجنوب الشرقي وبهكذا اجتهدت.


 انتهيت من صلاتي فوجدته انتهي  هو أيضا من لف سجائر الحشيش، ثم بدأ يستعد لتدخينها . سألته أين سميكنني أن أنام؟ أشار إلى الكنبة الموجودة بجوار المنضدة  ثم قال هنا يمكنك أن تنام، وانتطر قليلا سأحضر لك غطاءا تتلحف به. أحضر الرجل غطائين ثم قال لي : يبدو لي أنك قلق مني! قلت له لا أبدا ، فأنا لست قلقا، أنا مرعوووووووووووووووووووووووب.


 قال لي فريدريش محاولا تهدئتي، لا تقلق يا محمد سأترك لك الصالة ،وسأدخل غرفتي وأغلق على بابها ، وعندئذ لن تشتم أية رائحة حشيشية. شكرته على كرمه وعلى استضافته، واستأذنته في منبة يوقظني " دا لو نمت أساسا" أحضر الرجل منبها صغيرا فضبطه على السابعة صباحا،  ثم اندفست تحت الغطاء، وماهي إلا ثوان معدودات حتى تذكرت محفظتي وجواز سفري اللذان كانا في حقيبة ظهري، فقمت من فوري وأخذتهما ثم وضعتهما تحت الوسادة ثم تذكرت " وهل يمنع حذر من قدر"


الجمعة 5 سبتمبر 2003


أفزغني صوت المنبة، فقمت من فوري وأدرت بصري في المكان فلم أجد شيئا غريبا، ووجدت الرجل نائما في الغرفة ذات الباب الزجاجي العريض، وكان عاريا وبدون غطاء. حمدت الله على سلامتي، ثم ذهبت إلى الحمام، فتوضأت وصليت الصبح، ثم غيرت ملابس وحملت حقيبتي ، ثم قرعت باب غرفته، فقام ولبس ملابسه الداخلية، ثم فتح لي الباب سائلا: كم الساعة؟ قلت له إنها السابعة والنصف. ولتأذن لي بالانصراف لأن أمامي يوما شاقا في برلين. سكت الرجل  لبرهة ثم قال: لا لن أتركك تذهب وحدك. انتظر وسآتي معك!


انتظرته حتى فرغ من حمامه، ومن ملبسه. وبدا لي أنه رجل في الأربعينات أو الخمسينات لم أسأله عن عمره، كل ما عرفته عنه هو أن لديه ولد وبنت، وأنه مطلق ويعيش بمفرده في هذه الشقة التي هي ليست ملكا له بل هي بالإيجار، وأنه يعمل كمهندس معماري بالقطعة . " يعني على باب الله"


خرجنا من الشقة وأصر أن يأخذني إلى الحديقة الخلفية؛ كي يريني شجرة الحشيش. ذهبت معه ولما رأيتها ابتسمت وتذكرت ما حدث بالأمس، ثم طبلت منه أن يقف بجوارها، والتقطت له صورة معها.


خرجنا للشارع الرئيسي با تجاه محطة القطار، وبدأت أتأمل المكان مرددا سبحان الله، وصدق الله حينما قال " وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا" سبحانك يا ربي! بالأمس مررت من هنا ولم أرى إلا بصيصا من جمال خلقك، واليوم يبدو لي الجمال الحقيقي سبحانك ياربي!

إنها مجموعة من الفيلات ملفوفه بحدائق تكسوها خضرة يتقطر من أشجارها ندي الصباح، وتسمع زقزقة العصافير ، وتغريد الطيور ، وتشم رائحة الوردود، ثم تستمتع بهواء منعش لا مثيل له، وعندئذ لا تجد ما تقوله بعد سبحان الله سوى بيت شعر مات قائله من مئات السنين:-


إلهي شاقني هذا الوجود*** فذي الدنيا فما بال الخلود


 انتبهت من تاملاتي وهيامي بهذه الطبيعة، والجمال، والتنظيم، والنظافة، والتنسيق، على يدي صاحبي وهي تجذبني بشدة، بعد أن كنت سأعبر الطريق وإشارة المرور لا تزال حمراء. وقفنا سويا حتى اخضرت الإشارة ثم قال لي:- تعالى سأريك شيئا أجمل وأروع ! قلت له أكثر من هذا؟  أخذني إلى شاطئ بحيرة صغيرة تسبح فيها عشرات من البجع الأبيض وعشرات من البط الأسود. وتطير فوقها مئات من العصافير والطيور مختلفة الألوان والأشكال والأحجام.......... نعم يا له من منظر رائع.

 مشينا قليلا على الرمال الصفراء، وأمواج البحيرة بين مد وجزر ، وجاذبية مياهها تداعبنا وتريدنا أن نبقى ولا نرحل،، ولكنه الوقت يا عزيزتي..

محطة الترام، والساعة الثامنة ، وانتظار الناس قدوم القطار، والنوم قد ملئ جفونهم وكأنهم استيقظوا رعما عنهم، وأنى لهم أن يستقظوا من هذا الجمال! مشهد يحتاج إلى كثير من تأمل.

 اشترينا تذكرتين من ماكينة لبيع التذاكر، فقط رمى صاحبي فيها بخمسة يوروهات فخرجت لنا التذكرتين مكتوب على كل واحدة منها" التذكرة صالحة لمدة ساعتين ونصف من الآن، ولجميع القطارات ما عدا السريعة منها". معنى هذا أنه يمكننا أن نذهب إلى أي مكان في برلين بأي وسيلة نقل عامة مثل  الترام والمترو والأتوبيس " فقط لمدة ساعتين من الآن"

ونلتقي غدا

محمد شحاتة






 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق