الخميس، يوليو 17، 2014

الدكتاتورية أفضل من الديموقراطية:



في كتابه ( من هدى القرآن.. القادة الرسل) تحدث الاستاذ أمين الخولى عن أصحاب الرسالات السماوية، الذين كانوا بمثابة رسل وقادة، بلّغوا رسالاتهم مجانا من دون أجر، وعانوا أشد المعاناة في سبيل تبليغ هذه الرسالات، فصبروا على ما أذوا، وجاهدوا وانتصروا.  وقد حاول الدكتور الخولى ربط الحاضر بالماضي، واستلهام روح العصر الذهبي للقادة والرسل، في محاولة منه لإنزالها على أرض الواقع، لتكون بمثابة نور يهتدي به الشعوب في اختيار قادتهم، أو يهتدي به القادة في التماس طريقهم لحكم الشعوب!
وقد لفت انتباهي في هذا الكتاب ما عقده الدكتور الخولى من مقارنة سريعة بين الدكتاتورية والديموقراطية، خلص منها إلى تفضيل الدكتاتورية على الديموقراطية، وأثار ما كتبه الدكتور في هذا السياق حفيظتى، فأحببت أن أنقله إليكم بنصه، معتذرا عن الإطالة بالنيابة عنه، ومتمنيا لحضراتكم -بدلا منه- وقتا ممتعا، وفيما يلى نص ما كتب:  
أيها المقدرون وحدة الجماعة: إن صلة الفرد بجماعته، وصلة الجماعة بحاكمها، كانت منذ القدم، موضع تنظيم، يقع عليه الاختلاف ويشتد، حتى يصير إلى المشادة والمنازعة، في صور مختلفة، على مر الأزمنة. ثم ما يزال هذا التنظيم إلى اليوم، موضع تلك المخالفة والمشادة.. ومن يدري، إلى متى سيظل هذا التنظيم موضعا لذلك، فيما يلى من الأجيال والأزمنة؟.. ولعلنا نقدر أن هذه الحرب المحرقة المهلكة، التى عصفت أعواما، بهنائة الإنسان وأفسدت طعم الحياة، وأهدرت حرمة البشرية، إنما يدور الصراع فيها، بين صورتين من صور هذا التنظيم، لصلة الفرد بالجماعة، وأسلوبين من أساليب الحكم.. وأن ذلك الاختلاف بينهما، سبب أي سبب للنزاع والقتال... ومهما يكن الأمر، فإن العالم اليوم- ولعله قبل اليوم بكثير- يعرف خطتين في الحكم والنظام، يختلف فيهما التدبير لهذه الصلة بين الواحد والكثرة، وسياسة شئوون الجمهرة.. فأولى هاتين الخطتين، تلغى وجود الفرد، أو تكاد.. وتطغى وجود الجماعة عليها، مسخرة الواحد، لما تعده هي غاية لقومه، وفي سبيل توحيد الجماعة، وحدة آليه، تلقى هذه الخطة بأزمة الحكم، إلى سلطة مركزة، وقوة موحدة، يقل فيها الاختلاف، ويمتنع معها ضياع الوقت، في الائتمار، وتبين الرأي... وتلك في جملتها "الدكتاتورية".. أو ما يشبه هذا من التسمية.. وأما الخطة الثانية للحكم فتعترف، أو تسرف في الاعتراف بوجود الفرد، إذ تمكن له من فرص التعبير عن نفسه، وتدخله في التقدير والتأثير حين تجعل الإبرام والإمضاء رهنا بالعدد الكثير، والوحدات المكررة، وتضبط سير الحياة بذلك.. وفي هذا السبيل تلقى مقاليد الأمر فيها لغير واحد وتديل الحكم بين متعددين، وتفسح المجال للاستشارة والاستفتاء؟... وتلك في جملتها هي الديموقراطية، أو ما يشبه هذا من التسمية... وما يعنينا الآن أن ننظر، في هاتين الخطتين، من حيث هما أسلوبان في تنظيم صلة الفرد للجماعة أو تسيير الحكم وإنما يعنينا النظر فيهما من الناحية الخاصة، بما نحن بسبيلة من أمر القادة، في النظامين وتبعاتهم على الخطتين.... 

أيها المقدرون وحدة الجماعة: إن الصورة الأولى في الحكم، وهي تلك الدكتاتورية: يبدو فيها واضحا، ومن قرب، خطر أولئك الأفراد المتبعين، وقوة أثر أولئك القادة اللافتين؛ لأنهم- بحكم هذا النظام- قد وضعوا أنفسهم أو وضعتهم ظروفهم في موضع واضح، ومكان بارز في ميدان الحياة وعلى مرأى ومسمع من الجموع، فقد ركزوا كل شئ في أشخاصهم، إذ ركز فيهم كل شئ، وأداروا كل شئ حولهم، أو أدير حولهم كل شئ، فهم منبهون مستهوون قد حملوا من عبئ الأضلال الكثير الثقيل، فليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، وليبدون ذلك من أمرهم ملموسا قريبا، لا يجادل فيه.... وأما الأسلوب الثاني من أساليب الحكم، فهو تلك الديموقراطية، فلا يبدو فيها مركز القادة واضحا ذلك الوضوح، ولا مسئوليتهم جليه هذا الجلاء، فلم تضعهم الضروف، على مسرح الحوادث وضع رجال الحكم الأول: لأنهم- فيما يظهر- قد أفسحوا لكل فرد مجال القوم، وفرصة إبداء الرأي: وهم يستصدرون من عدد كثير، بمثل الجمهرة العامة، صورة الرضا عن عملهم، والموافقة على تدبيرهم.. هذا الذي يظهر، ولكنك لو دققت النظر في حال هؤلاء المتبعين، ومدى تأثيرهم مع هذا النوع من الحكم، لوجدت مسالب الخطر الخفية واسعة معبدة، ومسالك التأثير القوي، والتوجيه الشخصي، ممهدة موصلة، تؤيد فعلها طبيعة الجماعات، وعقلية الجماهير ، واندفاع الكثرات. وإن الأمر حين يدار على الرأي والاستشارة، إنما ينتهى في الحقيقة والواقع، إلى الاقناع والاستهواء، والتسيير والتأثير والتوجيه القوي، وأن طبيعة هذا النظام قد هيأت سبيل هذا كله، وسهلت تحقيقه، بما يوضع لذلك من تنظيم وتنسيق تحتكم في الرأي، وما يباح في ذلك من خطابة خلابة وجاذبية شخصية، إلى غير ذلك من مؤثرات حادة، يصبح الرأي بعدها، والاختيار معها ليس إلا تلقينا وتوجيها، وتنبيها وتسييرا: يتعرض به الأفراد لخطر الاقتياد، وشر الانقياد بشخصية المتصدرين، وجاذبيتهم، وأساليب استوائهم من ما هناك من نظمهم وترتيبهم في ضبط الأعداد، وتسيير الأشخاص... ومن هنا يحمل القادة، في تنبيه الأفراد ولفتهم، بل في دفعهم وحملهم عن المحاكاة، تبعات وتبعات، وتكون تلك الآراء التى هي كثرة عددية رقمية، ليست في الحق كثرة فكرة دورية، قد فكر كل فرد منها وقدر، ثم رأى واختار.. بل هي في الواقع عقل جمعى قد انفعل، واستهوى فاقتنع، وتأثر فاندفع.. وعلى القادة في كل ذلك تبعاتهم ومسئولياتهم، في هذه الديموقراطية، كما وجدته في غيرها.. بل لعلك لا تعدو الانصاف، إذا ما قلت إن القادة، في هذا النظام الثاني من نظم الحكم، أنفذ ثأثيرا، وأعمق توجيها منهم في النظام الفردي الأول، لأن شعور الفرد الظاهر بأنه حر، وظنه أنه مستقل، ووهمه أنه مقدر ومكور رأيا، يُنيم فيه كل رغبة في المقاومة، وكل ميل إلى المعارضة، ويهون عليه الانقياد والاتباع.. وهو مالا يتوافر في النظام المتشدد، حين يواجه بالتحكم، ويعالن بالضغط، فيثير- إلى حد ما- حفيظة المكبوتين...[1]


[1]  الخولى: أمين، من هدى القرآن، مكتبة الأسرة، 2001، ص: 124 وما بعدها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق