الأربعاء، يونيو 17، 2015

سطور حول كتاب الدولة المستحيلة



أحمد عبد الإمام يكتب: سطور حول كتاب الدولة المستحيلة لوائل حلاق


انشغل عدد لا بأس به من الشرقيين والغربيين بمسألة الدين والدولة أو الدين والسياسة في الإسلام في سياق العالم العربي الإسلامي، في الصحافة والإعلام، في البحث والتدريس، وفي الكتابة والتأليف، ورغم كثرة الإسهامات التي قدمت في هذا الحقل، إلا أن ثورات ما يسمى بالربيع العربي أعادت هذا النقاش مرة أخرى للأذهان، لا سيما بعدما علت الأصوات التي تطالب بإقامة دولة إسلامية تطبق فيها الشريعة، وعلت على الجانب الآخر أصوات تطالب بإقامة دولة عصرية حديثة يزحزح فيها المجال الديني عن المجال السياسي حتى لا يُستخدم المجال الأول كوسيلة للوصول للثاني، وحتى لا يكون المجال الثاني أداة مفسدة للمجال الأول. وبعيدا عن الإسهاب في تفصيل وجهة نظر كل فريق وخلفيته التي ينطلق منها، إلا أن البعض صورهذه الحالة على أنها صراع شديد، يحاول كل طرف فيه إثبات وجهة نظره من النص والواقع الذي عاشته المنطقة العربية الإسلامية وما زالت تعيشه حتى اليوم.
من ضمن هذه الإسهامات التي تناولت الحديث عن الدولة ومدى علاقة الدين بها، والحداثة وتأخر المسلمين عن الركوب في سفينتها،  كتاب بعنوان "الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي"، للأكاديمي الدكتور وائل حلاق، أستاذ الدراسات الإسلامية المتخصص في القانون والتاريخ الإسلامي بجامعة كولومبيا، صاحب مؤلفات في الفقه والأصول والشريعة والقانون. وهو من أصل فلسطيني لأسرة مسيحية، ولد عام 1955.[1]
الكتاب في الأصل باللغة الإنجليزية، وصدرت ترجمة له عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة "ترجمان"، عدد صفحات النسخة العربية 352 صفحة، من القطع الكبير.
يعد هذا الكتاب من أكثر الكتب رواجا في الفترة بعد 2011، ليس فقط بسبب عنوانه الذي يجذب القارئ، بل لقوة العرض الفلسفي الذي يمس قضية هامة لمنطقة الشرق الأوسط على الإطلاق، وهي فكرة الدولة الإسلامية والدولة الحديثة. ومما يجذب أيضا لهذا الكتاب غموض فكرته قبل البدء في قراءته، حيث قد يتسائل البعض عن الرسالة الأساسية للكتاب، هل هي استحالة قيام ما يسمى بدولة إسلامية، أم استحالة قيامها على غرار الدولة الغربية القومية الحديثة؟ هل يروج الكاتب بهذا للدولة الإسلامية التي كانت أم التصور الذي قد يكون؟ أم يعمل على إظهار تناقضات تعتري كلا النموذجين، الغربي والإسلامي الحالي؟ وهذا الغموض أشارت إليه أستاذة العلوم السياسية الدكتورة هبة رؤوف حين عرضت هذا الكتاب في إحدى الندوات، بقولها أن الكتاب قد يساء فهمه كونه يتحدث عن استحالة قيام دولة إسلامية، مما جعل الكاتب يرسل لها رسالة هاتفية لتوضيح أهداف الكتاب في نقاط، حين علم بندوتها عن الكتاب، والتي قامت الدكتورة بتوضيحها للحضور.[2]
الرسالة التي يهدف إليها الكتاب، كما يرى تركي الربيعو في قراءته، هي أن مفهوم الدولة الإسلامية يستحيل تحقيقه لأنه ينطوي على تناقضات داخلية بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة. فأي قراءة مقارنة بين تاريخ تشكل الدولة الحديثة والحكم الإسلامي تظهر لنا أن التجربتين تميلان إلى إنتاج طريقين مختلفين من التصورات الأخلاقية والسياسية والمعرفية والإجتماعية للعالم. وفي المجمل يسير الكتاب في اتجاه أن الدولة الإسلامية لن تكون منبنية على قيم الحداثة في شكلها الذي أنتجته التجربة السياسية الغربية، بل ستأخذ شكلا مخالفا يعطي أولوية للوحي كمصدر للقيم الاخلاقية.
وردَ الكتاب في سبعة فصول: يتناول الفصل الأوّل "مقدمات" يوصف فيها "الحكم الإسلامي" بالحكم النموذجي. يدور الفصل الثاني حول ماهية الدولة الغربية الحديثة محددا خصائصها والصفات الجوهرية التي تقوم عليها فلسفة الحكم، شارحا للتنوعات المتلاحقة في تكوين الدولة. أما الفصل الثالث "الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة"، فيناقش مفاهيم الإرادة السيادية وحكم القانون بخصوص الفصل بين السلطات، وهنا يستعرض الكاتب البنية والإطار الدستوري لكلا النموذجين الإسلامي والغربي الحداثي. يتناول الفصل الرابع "القانوني والسياسي والقيمي" التباينات القانونية والسياسية لإظهار عدم التوافق بين الدولة الحديثة والشريعة. أما الفصل الخامس "الذات السياسية ومحصنات الذات الأخلاقية" يخلص إلى أن الدولة القومية الحديثة تولد نموذجا مغايرا عما تنتجه الشريعة الإسلامي فيما يتعلق بتكوين الذاتية الأخلاقية والإجتماعية والسياسية والمعرفية والنفسية. ويحاجج الفصل السادس "عولمة تضرب حصارها واقتصاد أخلاقي" في أنّ الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوّة، يكفيان لجعل أيّ صورة من الحكم الإسلامي إمّا أمرًا مستحيل التحقّق وغير قابل للإستمرار. وينتهي الكتاب بالفصل السابع الذي يحاول الباحث فيه شرح الأزمة الأخلاقية الحديثة بصفتها تؤسس لأصل الأزمات الأخلاقية التي واجهتها الحداثة في كل صورها الشرقية والغربية.
وعليه فيمكننا الخروج من قرءاة هذا الكتاب بنقاط ثلاث ذكرتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود في قراءة الكتاب:
1. الحداثة الغربية تعيش أزمة قيم تتجلى في مفهوم الدولة الحديثة وما يتبعها من نتائج لا قيمية على مستويات عدة.
2. "الدولة الإسلامية" مفهوم لا قاعدة له في التجرية الإسلامية التاريخية، بل هو مفهوم تمّ إسقاطه على الفكر الإسلاميّ خطأ، ومن ثم كان عنوان الكتاب: "الدولة [الإسلامية] المستحيلة". وحاصل هاتين الفكرتين هو (الفكرة الثالثة).
3. الدعوة إلى إعادة النظر في مفهوم القيم في الدولة الحديثة، لتخرج من استلابها لذات المواطن الحداثي الذي انتزعت منه ذاتيته الوجودية، وأعدمت قيمته الإنسانيّة لحساب السلطة والدولة، والدعوة إلى إعادة الاعتبار بشكل إبداعيّ جديد لقيم الشريعة الإسلاميّة كنموذج قيمي يفوق ما وصلت إليه الدولة الحديثة.[3]
هذا هو مجمل الكتاب الذي تم عرضه وقراءته في أكثر من مكان لأهميته ورجته التي أحدثها بعد صدوره. ومع ذلك تبقى بعض النقاط الهامة التي يجدر الإشارة إليها:
- الكتاب قد يستخدم من كل جانب على أنه يقوي وجهة نظر هذا الفريق أو ذاك، أي قد ينظر إليه البعض على أنه تأكيد لوجهة نظر تقول أن الحداثة ليست مشروعا ناجحا لأنها تقوم على فلسفة الإنسان وعقله المحدود. وقد يُقرأ الكتاب من البعض الآخرعلى أنه تأكيد لاستحالة قيام ما يسمى بالدولة الإسلامية، لأن نصوص الإسلام لا تدعو لقيام دولة. هنا تجدر الإشارة إلى أن الدرس المستفاد من هذا الكتاب ببساطة هو أن أي نظام به من الأخطاء التي قد تقوض استمراره، ومن أهم هذه الأزمات هي الأزمة الأخلاقية، لذا ينبغي على كل نظام أن يراعي البعد القيمي على مستويات السياسة والإجتماع والمعرفة...
- قد يُعتبر الكتاب من الأصوات التي تدعوا لتقوية المشروع الأخلاقي، والذي أشار فيه الكاتب للدكتور طه عبد الرحمن، والذي قد يفيد الإطلاع على كتبه أيضا في معرفة مشروعه بشكل أعمق. وبالتالي يعتبر النموذج الذي يتحدث عنه حلاق وعبد الرحمن نموذج البعد القيمي الأخلاقي. وهذا يجسد المدرسة التي تميل إلى العقل والشرع معا، فكلاهما يهدف إلى فعل الخير. فالأخلاق والسياسة و الدولة قد يسيروا في طريق واحد.
- الكاتب يفصل بين الحكم الإسلامي قبل وبعد فترة استعمار العالم العربي الإسلامي، حيث يرى أن فترات حكم المسلمين قبل الاستعمار كانت أكثر عدلا وخلقا، وبالتالي يركز على فترة ال 12 قرنا الأولى للحكم الإسلامي. هنا ربما ينبغي علينا أن ننتبه إلى أنه لا ثمة فرق كبير بين فترات حكم المسلمين بعد الاستعمار وقبله،  فحين نستثني فترة حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم الخلفاء الراشدين، قد لا نجد فرقا كبيرا، أي أن المشروع الأخلاقي قد لا تجد ملامحه أو بصماته في فترات حكم كثيرة للمسلمين، بدءً من العصر الأموي وحتى اليوم. وعليه فإن تحديد هذه الفترة الزمنية وتسميتها بالحكم الإسلامي فيه مبالغة بعض الشيء.
ختاما: يعد الكتاب ذا أهمية لمن يريد أن يتعرف على المشروع الغربي الحداثي عن قرب من خلال فلاسفته ومدارسه المختلفة، التي تناول بعضا منها الدكتور حلاق في كتابه. وفي نفس التوقيت معرفة وجهة نظر الباحث حول فكرة استحالة قيام النموذج الإسلامي في ظل الحداثة الغربية المؤثرة في العالم كله. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق